الأناجيل الأربعة

م. فؤاد نجيب يوسف

الكتاب المقدس هو كلمة الله المُعلنة للإنسان لترشده وتُقوِّم خُطاه في طريقه إلى الحياة الأبدية. الكتاب هو رسالة اللهلكل إنسان مُسلَّمة لنا من خلال خبرة بشرية ورؤية شخصية لله، تمت بتدبير الروح القدس. الكلمة في الكتاب المقدس تتجسد في منطق بشرى، بينما هي تحمل سر المسيح وقوَّتهالمخَلِّصة. فالكتاب لا يقدم لنا معرفة مجردة ، بلقوَّة مطهِّرة مبرِّرة مقدِّسة خالقة خليقة جديدة لحياة أبدية.

العهد القديم - بشقيه الناموس والأنبياء - موضوعه الخلاص الآتي بالمسيح يسوع "إذاً قد كان الناموس مؤدبنا إلى المسيح لكي نتبرَّر بالإيمان" (غلا3: 24). "وعندنا الكلمة النبويَّة وهىأثبت التي تفعلون حسنًا إن انتبهتم إليها كما إلى سراج منير في موضع مظلمإلى أن ينفجر النهار ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم" (2بط1: 19). أما العهد الجديدفهو إستعلان لسر المسيح الذي يتحقق به خلاص البشرية "عظيم هو سر التقوى اللهظهر في الجسد" ( 1تى 16:3). "نائلين غاية إيمانكم خلاص النفوس. " ( 1بط 9:1)

الأناجيل الأربعة هي مركز ثقل العهدين معًا. ففيها يتحقق كل رجاء العهد القديم ونبواته. وفيها الإيمان الذي تُعلنه كل أسفار العهد الجديد وتكشف عن أسراره. أما الأناجيل نفسها فهيرسالة إستعلان لحبالله "لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية". (يو16:3)

 

أربعة أبعاد

ليحل المسيح بالإيمان في قلوبكم وأنتم متأصِّلون ومتأسِّسون في المحبَّة حتى تستطيعوا أن تدركوا مع جميع القديسين ما هوالعرض والطول والعمق والعلووتعرفوا محبَّة المسيح الفائقة المعرفة لكي تمتلئوا إلىكل ملء الله" (أف3 :17-19) الثلاثة أناجيل المتناظرة (متّى، مرقس، لوقا) هي ثلاثة أبعاد، ، الطول والعرض والارتفاع (العلو) على التوالي. أما البعد الرابع في إنجيل يوحنا فهو العمق. هو بعد ما فوق الزمان والعمق اللاهوتي للإله الأزلي. الأناجيلالأربعة هي أربعة أبعاد من خلالها نعرف محبة المسيح الفائقة المعرفة مع جميعالقديسين .ففي كلمة الله المعلنة في الإنجيل بأبعاده الأربعة نصير كنيسة واحدة في شركة القديسين مع المسيح، لكي نمتلئ إلى كل ملء الله.

 

الثلاثة أناجيل المتناظرة (Synoptic Gospels) :

 

من خلال الأناجيل الثلاثة الأولى المعروفة بالأناجيل المتناظرة (Synoptic Gospels) نتعرفعلى شخص المسيح المتجسد في ثلاثة أبعاد. بسبب الاختلافات الدقيقة تعطينا الأناجيلرؤية مجسَّدة لفكر المسيح . إن هذه الاختلافات حتَّمتها ظروف الكتابة واستخدمهاالروح القدس بحذق. لينقل للأجيال رؤية مجسَّدة، وصورة متكاملة لشخص المسيح، حاضراً في الزمن بكل مفاعيل الخلاص الذي أتمّه أثناء وجوده على الأرض. إن العين اليمنى ترى صورة مختلفة عما تراه العين اليسرى ومن خلال هذا التباين يمكن لنا أن نرى الأشياء مجُسَّدة في أبعادها الثلاث، وكذلك الاختلاف الدقيقفي السمع بين الأذنين يعطى تجسيداً للصوت فيستطيع الإنسان أن يُقدِّر بُعد واتجاهمصدر الصوت.

ثلاثة كُتَّابمن ثلاثة مواقع، كل له قدراته وثقافته وانطباعاته الذاتية،ورؤيته الشخصية. كل واحد منهم سجل تجربته مع كلمة الله. كل كاتب وجه رسالتهإلى جهة مختلفة. فرسالة المسيح كان من اللازم أن يُكرَز بها ؛ أولا لليهودوهم الممثلون للفكر الديني ، ثم للرومان وهم حكام البلاد وقاهرو الشعوب، الممثلونللفكر السياسي والقانوني، وثالثاً للثقافة اليونانية المتعددة الفلسفات والتيكانت بفكرها العميق تغطى كل الأرض. لهذا كان لا بد من كتابة ثلاثة أناجيللهذه العناصر الثلاثة الأساسية التي تتحكم في الفكر والسلوك البشرى. من الطبيعيأن تتمايز هذه الأناجيل عن بعضها، ليس فقط بسبب اختلاف الكاتب وطبيعته، بلبالأكثر بسبب طبيعة الموجه لهم رسالة الإنجيل. فلابد من أن تتأثر الكتابة بظروف وثقافة الموجه لهم الرسالة. فمن خلال هذه الخبرات البشرية المتباينة استطاع كتَّاب الثلاثة أناجيل الأولي أن يقدموا للبشرية صورة روحية وفكرية ولاهوتية متكاملةعن رسالة المسيح في ثلاثة أبعاد.

لم تكن هناك خطة بشرية مدبرة لكتابة الأناجيل بهذه الصورة، أو توجيههالأي جهة. بل كَتَب الأناجيل أناس بسطاء، بطريقة عفويَّة، وهم متباعدون في المكانوالزمان، ومتفاوتون في الثقافة، سجلوا خبراتهم الشخصية، موجهين رسائلهم لجهات متفرقة من الأرض. بالرغم من أن هناك رأى علمي يرى أنه من المحتمل أن يكون كل من متى ولوقا قد اطَّلعا على إنجيل مرقس، الذي كُتِب أولاً ، إلا أن هذا لم يمنع منأن يتمايز كل إنجيل بخصائصه المتفردة، ليتكامل روحياً ولاهوتياً مع باقي الأناجيل،بل مع الكتاب المقدس كله.

 

لم يقصد أي من كُتَّاب الأناجيل أن يكتب كتاباً تسجيلياً أو تاريخياً عن حياة  المسيح. عندما جال هذا التصور في فكر القديس يوحنا قال "وأشياء أخر كثيرة صنعها يسوع إن كتبت واحدة فواحدة فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة" (يو 21: 25). إن كل واحد من كُتًّاب الأناجيل حشد أفكاره وانطباعاته ليشهد للحقالذي تلامس معه، حتى يوجه شهادته لجهة محددة. لذلك تخيَّر كل كاتب المواضيعالمناسبة، ونسَّقها بالترتيب والقالب الذي يخدم هدفه. لهذا نرى في بعض المواقف،أن الكاتب لم يهتم بالترتيب الزمني للأحداث أو الأقوال، بقدر اهتمامه بتسلسل الأفكاروتداعيها، حتى يقدم شهادة واضحة عن محبة المسيح. لذا  نجد أحياناً ما تتقدم أو تتأخر موقع الأقوال من الأحداث.

لا يمُكنَّا أن نعرف على وجه الدقة الملابسات أو الدوافع للكتابة لدى كلكاتب، أو لماذا وجه رسالته لجهة معينة؟ ولكن النتيجة النهائية التي بين أيديناتشهد لعمل متكامل في كل إنجيل على حدة، وفى الأناجيل كلها معا كوحدة واحدة، ذات أبعاد غاية في العمق. لم يكن في تصور أي واحد من كتاب الأناجيل أن كتاباً واحداً سيجمعهم ليقدمللبشرية الكتاب المقدس. لقد اكتمل كل العمل تحت إشراف وبتدبير الروح القدس، "الروح القدس يأخذ مما لي ويخبركم" (يو16 :15) "لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أناس الله القديسين مسوقين من الروح القدس" (2بط1: 21) . وهكذايقدم لنا الروح كلمة الله بخبرة بشرية، بل يقدم لنا الاختبار البشرى لكلمةالله في أبعاد ثلاث، الطول والعرض والعلو (الارتفاع). ثم بعد ذلك في عمقهاالأخروي اللاهوتي السرائري (الإسكتولجى (Eschatology في الإنجيل الرابع.

 الأناجيل الثلاثة تسجل عمل المسيح المتجسد على الأرض في أبعاد ثلاث، من خلالها نرى المسيح قائماً بقوة في الزمن بصفة مستمرة، بكل مفاعيل الخلاص وإمكاناته. المسيح حاضرً في الأناجيل لكل جيل، كحدث جديد فعال في الحاضر، مطهر ومبرر ومقدس لكثيرين، من كل جنس وأمة ولسان.

 

أولاً[1]- البعد الطولي في إنجيل متّى:

 

يقدم لنا القديس متّى الرسول في إنجيله حياة المسيح على الأرضفي بُعدِها الطولي، من الميلاد إلى القيامة. الكتاب موجه لليهود، لذلك فالمسيح هو المسيَّا الملك الذي جاء ليقيم خيمة داود الساقطة (عا 9: 11). اليهود ينتظرون المسيح ليقيم لهم مملكة إسرائيل على الأرض. لذلك فإن كل أحداث الإنجيل تدور على الأرض في خط أفقي لحساب ملكوت السموات. فمن خلال الرؤية اليهودية المحدودة، يقدم إنجيل متّي المسيح الملك الذي يقيم مملكته على الأرض في الكنيسة.

الكنيسة في إنجيل متّي هي الشبكة المطروحة في بحر العالم لتجتذب كل المعينين للملكوت. والإنجيل هو "كتاب يسوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم"(مت 1:1). ابن داود الذي يرد الملك لإسرائيل حسب الكتب. وهو أيضا ابن إبراهيم الذي تتبارك فيه جميع قبائل الأرض. فهو ابن الإنسان، الذي جاء من أجل اليهود والأمم معاً "وعلى اسمه يكون رجاء الأمم" (مت 12: 21). ثم يكشف الكتاب عن الحقيقة اللاهوتية للمسيح فهو عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا. فهو الله الملك الحال في وسط إسرائيل جسدياً. ثم ينتقل الإنجيل بتدرج وبخطة محكمة واضحةً من إسرائيل إلى الكنيسة، ففيها المسيح حاضر، الله مع الناس. في الكنيسة أقام المسيح ملكوت السموات على الأرض "على هذه الصخرة أبني كنيستي"(مت 16: 18). المسيح في كنيسته؛  فيه تكتمل وتتحقق كل النبوات. ففيه تقوم مملكة داود إلى الأبد، وعليه يكون رجاء الأمم. متّى هو الوحيد بين الإنجيليين الذي استخدم لفظ "كنيسة" وأعطى للكلمة معناها.   

يسير بنا الكاتب في خط أفقي ممتد، يبدأ بميلاد المسيح ولا ينتهي (البعد الطولي). يسير بنا في صُحبته كل الأيام وإلى انقضاء الدهر. ففي كلمات الكتابالأخيرة يقول المسيح "وها أنا معكم (الله معنا) كل الأيام وإلى انقضاء الدهر" (مت 20:28). لم يذكر القديس متّى في إنجيله خبر صعود السيد المسيح حتى يلتزم بخطه الفكري الأفقي. المسيح في إنجيل متّى لا يرتفع . المسيح في كنيسته قائم في رفعة الملكوت، من فوق الجبل يتكلم، من فوق الصخور الدهرية يعلن ملكوته الأبدي ، فيجذب إليه الجميع.

البعد الطولي في إنجيل متّي: الابن الأقنوم الثاني يقيم ملكوت الله الأبدي على الأرض في سر الكنيسة.

 

ثانيا_ البعد العرضي في إنجيل مرقس:

 

إنجيل مرقس هو أقصر الأناجيل، إلا أنه أكثرها إسهابا، خصوصاً في شرح وتفصيل المواضيع المتعلقة بآلام المسيح. لم يتعرض القديس مرقس لميلاد المسيح، وعرض موضوع الصعود في عبارة مقتضبة. لقد ركز الإنجيل فقط علي عمل المسيح الكرازي، الذي ختمه بالصليب والقيامة، وبذلك فإن إنجيل مرقس يمثل البعد العرضي لاستعلان ابن الله للبشرية.

يُعرِّف القديس مرقس كتابه أنه "إنجيل يسوع المسيح ابن الله" (مر 1:1). هذه الآية الأولى تعتبر عنوان واضح يفصح عن كل موضوع الكتاب، وبدء قَوي يمهد لكل البناء. مرقس هو  الوحيد بين الإنجيليين وأول من استخدم كلمة "إنجيل"، وبهذا أعطى للكلمة مفهومها ومعناها الدقيق، تماماً كما استخدم متّي كلمة كنيسة وفَصَّل معناها.  

المسيح في الإنجيل هو ابن الله الذي حضر إلى العالم حسب التدبير في قوة الآب. فبقدر ما يُبرز إنجيل متى عمل الابن في كنيسته، يُبرز مرقس تدبير الآب الذي أرسل الابن إلى العالم لفداء الإنسان. لهذا يركز الإنجيل على آلام المسيح والتي تشكل أكثر من ثلث الإنجيل.  

إنجيل مرقس موجه للرومان لذلك فهو إنجيل القوة والسلطان، قوة الله المخلصة. وسلطان ابن الله الذي يظهر من أول أصحاح ويتخلل الإنجيل كله حتى آخر آية فيه "وكان يعلمهم كمن له سلطان وليس كالكتبة " (مر 1: 22). رمز الأسد مناسب تماماً له، الصوت الصارخ في البرية. المسيح في هذا الإنجيل هو ابن الله ، الفارس الجالس على الفرس الأبيض "معه قوس وقد أعطى إكليلاً وخرج غالباً ولكي يغلب" (رؤ 6: 2). هذا المنهج يتناسب جدا مع المنطق والعقلية الرومانية. ولهذا أيضاً نجد مرقس يركز علي عدل الله الذي يلتقي بالرحمة في سر الفداء. فالإنجيل هو القانون الإلهي الملتزم بالعدل الذي يعرفه الرومان، والمقترن برحمة الله التي لا يعرفها الرومان. فهو الناموس الملوكي الكامل.

البعد العرضي في إنجيل مرقس: تدبير الآب لخلاص البشرية الذي حققه الابن في سر الفداء

 

ثالثا - البعد الرأسي أو العلو في إنجيل لوقا:

 

السيد المسيح في إنجيل لوقا، هو الطفل الإلهي " المشرق من العلاء ليضئ علي الجالسين في الظلمة"(لو 1: 79) الذيحضر، ليرتفع ببشريتنا الساقطة إلى السماء، بجسدنا الذيأخذه من العذراء "وأجلسنا معه في السماويات" .كم يتناسب هذا العرض مع الفكر اليونانيالهيلينى2 والهيلينستى وفلاسفتهم ، الذين أعياهمالبحث في مشكلة الشر، وكانوامتطلِّعين دائماً إلى السماء يتوقعون حلاً من الآلهة. فبشرهم بجمهرة الجند السماوي التي أعلنت الخبر "المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وفى الناس المسرة".

إنجيل لوقا يتحرك دائماً في خط رأسي، فمثلاً سلسلة نسب المسيح تبدأ بيسوع وتتحرك رأسياً إلى السماء "ابن آدم ابن الله". بعكس إنجيل متى الذي يسير في خط أفقي من داود ابن إبراهيم إلى يسوع.

بينما الإنسان منحدر بالخطية نازل من أورشليم إلي أريحا، يلتقي المسيح به في أريحا تحت شجرة المعصية (زكا) ثم يتقدم صاعداً به إلى أورشليم "ليتمم خروجه" (بالصليب) ثم يكمل خلاصه بالقيامة من الأموات والصعود إلى السموات. إنجيل لوقا هو أكثر إنجيل أبرز موضوع الخلاص، كما انه أكثرهم حديثاً عن قبول الخطاة، فأظهر إشفاق المسيح ومحبته للخطاة "لأن ابن الإنسان  قد جاء لكي يطلب ويخلِّص ما قد هلك" (لو10:19). ارتفاع المسيح في إنجيل لوقا هو ارتفاع الصعيدة “Anaphora” المقدمة من الأرض عن حياة العالم. المسيح في الإنجيل هو الذبيحة المرتفعة بنا وهو في وضع الصلاة الدائمة. لذلك يُرمز لهذا الإنجيل بالثور. العجل المسمن هو تقدمة الآب للابن الضال "لهذا ينبغي أن نفرح ونسر"(لو15: 23). الذبيحة تقترن بالتسبيح والخلاص بالبهجة، لذا تتقدم الأم العذراء الصفوف لترفع ذبيحة التسبيح من أجل الخلاص "تعظم نفسي الرب وتبتهج روحي بالله مخلصي". الصعيدة والتسبيح والصلاة هي عناصر الارتفاع في إنجيل لوقا، فهي تربط الأرض بالسماء.

الروح القدس حاضر في إنجيل لوقا من أول إصحاح "الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك". الروح القدس حاضر في الأفق كرفيق، حتى يتسلم من المسيح (السامري) هذا الإنسان الجريح، كصاحب الفندق (الكنيسة)3. لذلك كان لا بد من تكملة هذا الفصل بالمشهد الثاني

في سفر أعمال الرسل. فبعد أن رافق الروح في الإنجيل أسرار التجسد والفداء، كان لابد من

 تكملة دور الروح القدس كصاحب الفندق الذي تسلم الكنيسة من المسيح ليتمم عمل الخلاص في الزمن.

البعد الرأسي في إنجيل لوقا: الروح القدس الأقنوم الثالث يرافق خلاصنا في سر التجسد.

 

الإنجيل الرابع

 

البعد الرابع: لقد كان ديكارت مهتماً بفهم الوجود ، وأثناء بحثه اكتشف الأبعادالثلاثة والتي بها يمكن تحديد بدقة موقع أي موجود مادي. وبذلك أسس ديكارتبالصدفة أحد علوم الرياضيات العملاقة، هو علم الهندسة التحليلية. وظل العالممدينا لديكارت وأبعاده الثلاث وما أحدثته من آثار بالغة الأهمية في التقدمالعلمي. بعد ديكارت أخذ العالم يتساءل هل هناك بعد رابع؟ أجاب على هذا التساؤلبعض العلماء الروس في أواخر القرن التاسع عشر، حيث رأوا أن البعد الزمني هو البعد الرابع، فهو الذي يكمِّل الأبعاد المكانية الثلاث. وتبنَّى هذه الفكرة أينشتين في نظريته.ولعل العرب أدركوا هذه الحقيقة فيما عرف بظرف المكان وظرف الزمان. فظرف المكان يحوي الثلاثة أبعاد المكانية، وظرف الزمان هو البعد الرابع.

 

بعد ما فوق الزمان أو العمق في إنجيل يوحنا

 

إن كان الزمن هو البعد الرابع، فالإنجيل الرابع هو بعد ما فوق الزمان . يبدأ إنجيل يوحنا بعبارة "في البدء كان الكلمة" والبدء هنا هو ما قبل الزمن. فالكلمة هو الإله الأزلي الأبدي، الذي دخلمن حاجز الزمن "والكلمة صار جسداً". بمعنى آخر الإنجيلالرابع هو البعد الإسكتولوجى (الأخروي  Eschatology). وهو نفسه العمق اللاهوتي والسرائري لعمل المسيح الإله المتجسد في الزمن. هناك دافعان رئيسيان وجَّها القديس يوحنا للخوض في هذا الاتجاه .

 الدافع الأول؛ هو أن القديس يوحنا كتب إنجيله في نهاية القرن الأول أي بعد ما يقرب من سبعين عاما من قيامة السيد المسيح. عاصر فيها المعجزات الباهرة لقيام الكنيسة من موقع القيادة واختبر المسيح، الذي كان قد تلامس معه وهو على الأرض، واتكأ على صدره. ثم تعمق معرفته في صلة روحية ورؤى فائقة (سفر الرؤيا) ، تلامس فيها مع أبديته وأزليته وهو على الأرض. لذا فهو يتكلم سواء في الإنجيل أو الرسائل من واقع رؤية لحقيقة المسيح الأبدية، وخبرة واختبار بسر المسيح الفائق على النطق أو التصور والمرتفع عن الزمن. "الذي كان من البدء الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة فإن الحياة أظهرت وقد رأينا ونشهد ونخبركم …" (1يو 1: 1-2)

أما الدافع الآخر فهو الظروف الخارجية التي مرت بها الكنيسة في تلك الحقبة. اضطهادات مريرة من الخارج وهرطقات وانقسامات من الداخل. إن هذه الهرطقات كانت الدافع المباشر لكتابة إنجيله، الذي أعطى فيه عصارة خبرته بأسرار اللاهوت، نقل لنا فيها صورة منطوقة عن الحق الأبدي في بساطة ساحرة مع دقة بالغة وجسارة مذهلة دون أن يخدش فيها حقائق اللاهوت.

المسيح في إنجيل يوحنا هو الكلمة الابن الوحيد الجنس الذي في حضن الآب. أما المسيح فيُعرِّفنا بنفسه هكذا؛ "أنا هو"  أي "يَهوي" الكائن الذي يكون، الرب إله إسرائيل السرمدي. يُظهر لنا إنجيل يوحنا الآب كما يُبرز الروح القدس من خلال معرفتنا بالابن. ثم يدخل إلي عمق الثالوث لينقل لنا صورة الحب الفريد بينهم. إن يوحنا يقوم بهذه المغامرة الصعبة ليس بلا هدف ولكنه يُحلِّق في أعماق الحب الإلهي فيكشف عن موضع الإنسان داخل قلب الله. "أنا فيهم وأنت فيَّ ليكونوا مكمِّلين إلى واحد وليعلم العالم أنك أرسلتني وأحببتهم كما أحببتني." (يو23:17)

عمل القديس يوحنا في إنجيله هو عمل فنان بارع رسم لنا صورة من الأبدية من واقع رؤية حقيقية لأسرار اللاهوت.

العمق في إنجيل يوحنا: هو البعد الإسكتولجي للإله المتجسد الذي أظهر لنا أسرار اللاهوت

 

أسلوب الكتابة الإنجيلي

 

الأناجيل الأربعة لها أسلوب فريد لا يوجد له أي مثيل في تاريخ الأدب. فلم يمكن للعلماء إدراجها تحت أي نوع من أنواع الكتابة المعروفة. فمثلاً لم يمكن اعتبارها كتابة تاريخية رغم أنها تحوى تاريخا حقيقياً، لأنها لم تكتب بهدف التأريخ بل إنها تتجاوز التاريخ وتتقدمه وتحكم عليه. ولم يمكن اعتبارها ضمن أدب السيرة، رغم أنها تحتوى على سيرة شخصية حقيقية، هي شخصية يسوع المسيح. وهذا لأن أدب السيرة مرتبط دائما بالماضي لتمجيد شخصية بارزة، بينما الأناجيل تتخطى الماضي، بل تتقدم الحاضر إلى الأبدية. وفيها يتمجد الإنسان بإستعلان سر الخلاص الذي عمله الله بالمسيح يسوع. كما لم يمكن اعتبارها مجرد كتابة فلسفية أو حكمة، رغم كل ما تحويه من أمثال وحكم، لأنها لا تحوى فكراً جامداُ بل روحا وقوة ديناميكية فاعلة وحياةً. لذلك اعتبرها العلماء رسالة إستعلان فريدة ليس لها نظير في أنماط الكتابة المعروفة4.

 

"من هو أعظم" (مر 33:9)

 

الدراسات العلمية الحديثة للكتاب المقدس تقدم لنا كل يوم رؤية جديدة ومعان غاية في العمق لم تكن معروفة من قبل، مما جعل كثير من العلماء من مختلف فروع المعرفة تشيد بعظمة الكتاب وخاصةً بالأناجيل الأربعة. حول كل إنجيل على حدة يلتف مجموعة من العلماء المعجبين به، يجمعون الأدلة القوية ليثبتوا أن هذا الإنجيل هو الأعظم بين الأناجيل بل أعظم الكتب جميعا، وتظهر أدلتهم قوية ومقنعة. ولا تكاد تقرأ لمجموعة أخرى من العلماء تلتف حول إنجيل آخر فتلتقي برأي لا يقل قوة عن الأول . والحقيقة في ذلك أن كل إنجيل على حدة يعتبر أعظم ما كتب في الاتجاه الذي طرقه وفى البعد الروحي الذي تناوله. وبذلك فالأناجيل الأربعة معاً كوحدة واحدة في أبعادها الأربعة تشكل أعظم قوة روحية أثْرت العالم بفكر المسيح.

القديس فيكتريانوس في شرحه لسفر الرؤبا (ص4) ذكر أن الباب المفتوح يرمز للكتاب المقدس  وأن الأربعة حيوانات الحاملة لعرش الله، التي رآها القديس يوحنا ترمز للأناجيل الأربعة. شبه الإنسان يرمز إلي متّي، وشبه الأسد يرمز إلي مرقس، وشبه العجل يرمز إلي لوقا، وشبه النسر يرمز إلي يوحنا. والأمر لا يتوقف عند حد الرمز والشكل، فإن الأناجيل الأربعة هي العرش الذي يتربع فوقه المسيح قائماً حاضراً بسلطانه وفكره أمام البشرية في المكان والزمان. من خلال الأناجيل الأربعة ترى الكنيسة المسيح حياً جالساً على كرسي مجده "بعد قليل لا يراني العالم أيضاً وأما أنتم فترونني. إني حي فأنتم ستحيون ." إن كان العالم لا يستطيع أن يري المسيح إلا أنه لم يستطع تجاهله، فأثر المسيح عميق في التاريخ، فهو ضابط لكل المتغيرات. كلمات المسيح تتقدم التاريخ وتحكم عليه بقوة. تتغير المفاهيم والأعراف، تتقدم العلوم، وتزدهر الفنون، وتتنوع الأنشطة الإنسانية، وكلمات المسيح في خلفية كل هذا قائمة ضابطة لكل المتغيرات. المسيح في الأناجيل حي متجسد، مرسوم أمام عيوننا ككنيسة، يصنع الإنسان الجديد، ويحقق له حريته من الخطية والخوف. والإنسان بالحرية يصنع كل شئ. الأناجيل بالمسيح الحاضر فيها تصنع التقدم، وتتحرك بالبشرية نحو حياة أفضل. من هذا الينبوع امتلأ كل عابر في الزمان طلب أن يستقى. "ومن يعطش فليأت ومن يرد فليأخذ ماء حياة مجاناً" "لكي يمتلئ إلىكل ملء الله".

 

____________________________

5  القديس فيكتريانوس الشهيد أسقف بيتو بالنمسا من أباء القرن الثالث الميلادي. ANF Vol. 7, P. 348

 



1 في الأعداد القادمة سنقوم بشرح كل إنجيل بالتفصيل بالتتابع لتوضيح فكرة الأبعاد الأربعة.

2العصر الهيلينى فى اليونان يبدأ من القرن الثامن ق.م. حتى وفاة الإسكندر الأكبر عام 323ق.م. ويتميز بالفلسفة والثقافة وعمق اللغة. أما الفكر الهيلنستي فهو الفكر الذي حاكى الفكر الهيليني وتعقبه خارج اليونان وخاصة في الإسكندرية ومدارسها. وهناك رأي قديم أن  ثاوفيلوس الموجه إليه إنجيل لوقا كان من علماء جامعة الإسكندرية

3 مثل السامري الصالح تقدمه لنا الكنيسة في قراءات الأحد الثالث من بشنس. وهو الأحد التالي لعيد حلول الروح القدس. وبهذا توضح كيف سلم المسيح الكنيسة لقيادة الروح القدس.

 

4 The New Oxford Annotated Bible P. ix. NT